لا
تزال ذكرى رحيل المناضل الأمازيغي معطوب لونيس ماثلة في أذهان كل مناضل
أمازيغي ولا يزال الحزن و الأسى على فراقه مرسوما على وجه كل أمازيغي حر
مؤمن بقضيته العادلة، وفي كل شوارع وأزقة وبيوت (تيزي وزو ) . تعود
الذاكرة بنا إلى ما قبل عشرة أعوام وبالتحديد يوم 25\6\1998 حيث ذكرى رحيل
أحد أبرز مناضلي الحق الأمازيغي وابنها البار (معطوب لونيس) الذي اغتالته
اليد الغادرة الحاقدة علي الأمازيغية، ولكنها لم تستطع اغتيال أفكاره التي
ستظل حية تنبض بها قلوبنا وتتوهج بها أرواحنا ونفوسنا. لا
يسعني في هذه الذكرى المؤلمة إلا أن أقدم لأخوتي وأخواتي بعض من صور
النضال والكفاح لهذا البطل الأسطوري، التي يجهلها العديد من الأمازيغ
المتبجحين بالكفاح من أجل ( تامازيغت) وأرضها ( تامزغا) والذين يتراقصون
كالدببة علي أنغامه موسيقاه في لياليهم الصاخبة بالهرج لعلهم يتخذوا منها
أؤليك المتبجحون بالنضال درسا وتعم الفائدة الجميع . 1- نشأته:- أبصر
النور معطوب لونيس يوم 15\مارس \ 1956 في ( أدرار نـ جرجرة ) بالجزائر في
قرية ( تاوريرت نـ موسى ) وسط عائله متواضعة الحال أبان الحرب التي يخوضها
الجزائريين من اجل الاستقلال، كان معطوب وحيد الأبوين مما جعل منه هذا الوضع طفلا مشاكسا ومدللا . منذ
السنوات الأولى من عمرة كان يقدم علي أعمال تدل علي شجاعته، فعل سبيل
المثال ” غادر ذات يوم مع أطفال القرية حدود ( تاوريرت نـ موسى) وصادف في
الطريق كوخا بها قش لجأ أليها لتدخين أعقاب السجائر التي كان يجمعها في
الطريق، لم ينتبه معطوب حتى أن اندلعت النيران واتت علي الكوخ وما فيه،
وهددت القرية كلها بالاحتراق ,أحس بالخوف وفي الوقت نفسه انتابه شعور
بالفجر ,حتى ظن الفرنسيون الأمر يتعلق باستفزاز مقصود من طرف السكان أو
عمليه لرجال المقاومة، تجمع كل سكان القرية للاستفسار عما حدث أنداك أدرك
أن ما فعلة كان حماقة كبيرة، قدم أصحاب الكوخين ألي أمه وطلبوا
تسليم المتهم للمحاكمة وبمجرد أن شاهدوه علي ظهر أمه أنتابهم ضحك هستيري
لأنهم ظنو الجاني ليس طفلا في الخامسة، كان طفلا متمردا منذ صغره وظل كذلك حتى أن اغتالته أيدي الغدر . هاجر أبيه إلى فرنسا وهو في الثانية من عمرة فكانت والدته تقوم بدور الأب والأم في نفس الوقت. والدته لم تكن متعلمة لكنها متخصصة في رواية القصص وسردها. على عكس أقرانه كان اللعب واللهو في حقول القرية بديلا عن المدرسة . فكان يقضي معظم أوقاته في نصب المصائد للأرانب بدل من الذهاب ألي المدرسة . تأثر كثيرا بالروايات التاريخية التي كان يسمعها عن الملوك الأمازيغ الشيء الذي ولد فيه وعيه للهوية الأمازيغية . كان دائما يقلد في العابة الحربية رجال المقاومة وكانت له رغبه شديدة في الانضمام إليهم ضد المستعمر الفرنسي يقول في الفصل الأول من كتابه “المتمرد” (( في يوم ما قدم عندنا جندي فرنسي ليشتري منا أرنبا فبعنها إياه وبعد ذلك وهو لازال علي قيد الحياة،
ساعدتني أمي لتسلق حائط الثكنة من اجل استعادة الأرنب، أعادت أمي الأرنب
نفسه لذلك الجندي، وبمثل هذا الفعل كنا نعتقد شمتنا الفرنسيين، ربحنا
مرتين ضعف المبلغ دون ضبطنا ونحن متلبسون)). 2- ما بين (1963 /1964 ):- بعد استقلال الجزائر كانت
بمثابة هزة ولدت فيه رفضه لكل ما هو عربي ومند ذلك الوقت تناما التاريخ
والوعي بالهوية الأمازيغية لديه ورفضه لسياسة التعريب التي نهجها النظام
العسكري التي كانت تهدف إلى محو الإرث التاريخي الأمازيغي للجزائر يقول في
كتابة المتمرد الفصل الأول ((الأمازيغية هي لغتي الأم , تعلمت بها الكلمات
الأولي والفت بها نصوصي الغنائية لكن هي أيضا لغة غير معترف بها في
الجزائر ولا تدرس وكلما نطقت بها تصورت نفسي كما لو أنني أقاوم)) فهكذا
كانت طفولته مليئة بالمغامرات. 3- التحاقه بالخدمة العسكرية (1969/ 1970 ) تجربة الإهانة:- صادف التحاقه بالخدمة العسكرية قضية (أمغالا ) ووجدت الجزائر نفسها مرة أخري في مواجهة المغرب، أنداك عين المعطوب في
مصلحة المعدات العسكرية، تولى مهمة الحراسة ورأى خلالها المغاربة يغادرون
الجزائر بعد قرار طردهم بيومين يقول المعطوب في كتابة المتمرد الفصل
الثاني (( تجمعنا جذور مشتركة بهم كانوا من أمازيغ الجنوب المغربي بالأطلس
الكبير، في أعماق جبال القبائل، اكتشفت مع أبناء جلدتي أن تمت مغاربة
نتحدث وإياهم لغة واحدة)) هنا أحس معطوب وهو يرى المغاربة يهجرون من الجزائر بقرار سياسي وصمة
عار كبيرة في جبين الجزائر علي عجل، أدرك أن الجزائر والمغرب سوف تخوضان
حربا عبثية ولو أرسل للقتال فلن يكون قادرا على إطلاق ولو نصف رصاصة، ففعل
المستحيل للتخلص من جحيم الخدمة العسكرية. فكتب
رسالة ادعى فيها بان أمه أرسلت إليه تخبره بعودة أبيه بصحبة فرنسية للزواج
بها ولأنه من منطقة جبلية بها مهاجرون كثر فكانت هذه الكذبة المخرج
الوحيد، ومن خلالها منحه قائد الفرقة إجازة لمدة ثلاثة أيام، حولها معطوب
إلى عشرة أيام بالرغم من أنه يدرك العقوبة القاسية التي تنتظره عند
مخالفته الأوامر وعند عودته سجنه قائد الفرقة في حفرة لمدة خمسة عشر يوما مع حلاقة الرأس. لم يحتفظ معطوب بأي ذكرى
جميلة داخل المعسكر فمن العقوبات إلى الاهانات وهذه ولدت لديه حقدا عظيما
كان يشعر بالمهانة وعرضه للعدوان والإقصاء، بدأ يحس أنه يخدم نظاما عسكريا
يختلف عن قناعته ورغبته. احتفظ معطوب بمشاعر عدم
الثقة إزاء السياسة وبمرارة الأيام التي قضاها هناك ولحسن الحظ كان الشعر
المنفذ الوحيد للهروب من هذا الواقع المرير وللتسلية أيضا، فكان جسده في
المعسكر وتفكيره في القبائل المناضلة ضد النظام العسكري. 4- معطوب وقيثارة النضال (1975/ 1980):- كانت
قيثارته الأولى من القصدير وأوتارها من خيوط الصيد، علاقته الأولى بالآلات
الموسيقية كانت عبر هذه الآلة وبها كان يحيي الحفلات في (تيزي وزو) إلى أن
أتت الآلة الموسيقية الأولى من باريس عام 1977 وجعلته يغترق في الأحلام
متأملا إياها كانت مختلفة تماما عن الأولى وبدأ في إحياء الحفلات وجعل
منها أداة إيصال رسالته فغنى عن الأوضاع
الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي كانت تعرفها القبائل بصفة خاصة
والجزائر بصفة عامة، غنى بفرنسا وبقاعة الأولمبياد في أبريل سنة 1980
بموازاة مع تسارع وتيرة المطالبة بالحقوق الأمازيغية. وأصبحت
الحركة الثقافية الأمازيغية تحتل الواجهة بالجزائر، أسابيع بعد ذلك
وبالتحديد يوم 20 \ابريل \1980 اندلعت أحداث الربيع الأمازيغي الذي نظمته
الحركة الثقافية الأمازيغية فتعرضت للقمع العنيف من طرف النظام الجزائري
وهو ما تفاعل معه معطوب لونيس وكانت الشرارة التي أطلقها عبر غنائه ضد
التطرف والقمع والعنصرية وكانت قيثارتة أداة لذلك. 5- معطوب والربيع الأمازيغي (أبريل 1980):- في
20 \أبريل\1980 كان مقررا أن يلقي المناضل المخضرم ((د. مولود معمري))
محاضرة حول الشعر القبائلي القديم حيث ناضل من أجل إبقاء كرسي الأمازيغية
بالجامعة وكان قدوة لجيل كامل، بدل مجهودا كبيرا لبقاء الثقافة الأمازيغية
فقوبلت محاضرته بالمنع نظرا لأن النظام القمعي رأى
فيها إخلالا بالنظام العام، فكانت بداية الاحتجاج، تجمع الطلبة حول جامعة
تيزي وزو ودعوا إلى مظاهرة في اليوم التالي وهي المظاهرة الأولى التي
نظمتها الحركة الثقافية الأمازيغية بالجزائر، فانطلقت شرارة الاحتجاج
وشملت عموم القبائل فحصل إضراب عام شل المنطقة برمتها وقامت انتفاضة شعبية
ضد النظام العسكري بعدها بأربعة أيام من الانتفاضة أعطيت الأوامر للجيش
بالهجوم على المنتفضين وكانت الحصيلة مئات الجرحى والاعتقالات. معطوب
تابع هذه الأحداث من بعيد لأنه صادف وجوده بفرنسا، كانت الصحف هي الملاذ
الوحيد لمعرفة الأخبار الواردة من القبائل، فغنى أمام الجمهور وعمل على
ارتداء بذلته العسكرية تضامنا مع إخوانه في القبائل ونظم مع أصدقائه
وإخوانه بفرنسا وقفة أمام السفارة الجزائرية بباريس قوبلت بـ ((القمع هي
الأخرى)). خرجت
القبائل من هذه الأحداث وهي تنزف دما وأصبحت هذه الانتفاضة تخلد كل سنة
وغنى معطوب خلالها ضد الإرهاب وعن اغتيال المثقفين من قبل المتطرفين دينيا
وعن القائمة السوداء التي تطول يوما بعد يوم، كما غنى ضد تماطل المسئولين
ومحاربة العنف. يقول
معطوب في الفصل الرابع في كتاب المتمرد ((إننا مهددون في وجودنا وحياتنا
وكرامتنا وحريتنا، نكون مقابل الدفاع عن هذه الأشياء، نريد أن نعيش ونفكر
ونكتب ونغنى)). أشعاره
كانت تتحدث عن كل شئ من الحياة إلى الحب والموت، انتقد السلطة القمعية
التي سلبت كرامته واحتقرت هويته وثقافته ومنعت صوته الحر إلى الوصول إلى
الذين يستحقون سماعه. 6- أحداث أكتوبر 1988 ورصاصات الغدر:- مرت على الجزائر أزمة اقتصادية مما أدت إلى ارتفاع وتيرة الاحتجاج ومنها تحولت إلى مواجهات مع قوى الأمن أسفرت على قتلى وجرحى. بلغت
التظاهرة أوجها والقبائل تعودت على الانتفاضات الشعبية وأعلنت حالة
الطوارئ في هذه المنطقة، بدأ معطوب في توزيع المناشير إيذانا بانطلاق
الثورة وبدأت الرصاصات الغاشمة من الانطلاق من مسدس النظام، واحدة تلو
الأخرى دخل من ضلالها معطوب إلى المستشفى وهو يشكي
من إعاقة جسدية بعد أسابيع من العلاج المكثف أيقن الأطباء ضرورة نقلة إلى
فرنسا للعلاج لأن السلطة رفضت ذلك خوفا من فضحها في وسائل الإعلام عما
يحدث في البلاد بقى معطوب 6 أشهر وهو طريح الفراش في حالة خطرة قريب من
الموت إلى أن نقل إلى فرنسا تحت ضغط الجماهير التي ساندته وتضامنت معه منذ
الرصاصة الأولى التي اخترقت جسده. يتذكر
معطوب كل اللحظات التي مر خلالها أثناء تواجده داخل المستشفى بفرنسا ومن
(سخريات القدر) وهي عنوان الشريط الذي لحنه في فرنسا أن تكون محاولة
اغتياله سببان في تغير مجرى حياته وأدرك خصومه أنهم تسرعوا قليلا في دق
المسمار الأخير في نعشه فإذا فشلت الرصاصات الخمس من النيل منه فإن
العكازين لن يمنعاه من المشي قدما من أجل الاستمرار في الكفاح من أجل
الهوية الأمازيغية وإيصال صوت المطالبة بالحقوق اللغوية والثقافية
الأمازيغية. وكان
ناطقا بضحايا النظام والجماهير الغاضبة، يقول معطوب في الفصل الخامس من
كتابة المتمرد ((أن الحركة الثقافية الامازيغية بصفتها حركة ضرورية جدا
ولا زالت كذلك وستكون أكثر ضرورة في المستقبل لأنها قوام وجود القبائليين
وبمختلف مشاربهم السياسية، أنها رمز لهويتنا)). جراحه
لم تشفى بعد، نقل إلى فرنسا للعلاج من جديد، غادر وهو يحمل كيسا طبيا،
انفجر وهو يتابع مبارة كرة القدم في القبائل عذاب حقيقي عاشه في تلك
اللحظة، الأيام صعبة والليالي مظلمة رغم الداء والأعداء فقد غنى معطوب من
أجل الحرية والعدالة وضد القمع والتطرف الديني الأعمى . 7- من أسير لدى قراصنة الإسلاميين المتطرفين إلى رمزا عند الأمازيغ ((سبتمبر 1994)):-
كان
قبل اختطافه بثلاثة أشهر يعلم بأنهم يترصدون له فكانت تصل إليه رسائل
استفزازية وتهديديه وعلقت مناشير في كل أنحاء القبائل (تيزي وزو) كتب اسمه
وصار أحد المطلوبين في القائمة السوداء عند المتطرفين الإسلاميين في
25\9\1994 وهو عائد من الجزائر العاصمة حيث كانت الأمطار غزيرة تعب معطوب
واستراح في أحد المقاهي في طريقه إلى أن دخلوا عليه القراصنة الذين ينتمون
إلى ((الجماعة الإسلامية المسلحة)) واقتادته إلى مكان مجهول، استقبله أحد
أصدقاء الماضي ولكن بعقلية مختلفة، عقب التطرف والأحادية الفكرية. تساءل معطوب ما الذي يجعل الإنسان ينتقل من حالة التوازن إلى وضع من التعصب يمسخه من كائن عادي إلى كائن مستعد للقتل؟ عانى
الكثير أتناء اختطافه وبالمقابل كانت القبائل تغلي باحتجاجات وتظاهرات
تنادي كلها بإطلاق سراحه يقول وهو يتحدث عن يومياته عند الإسلاميين
((يعتقدون أن كل من قتل منهم في الجهاد ضد الكفار تفتح أبواب الجنة في وجهه ووجه سبعين من عائلته وأهله بعقدة الأفكار البسيطة والساذجة استقطب الإسلاميون بسهولة في أوساطهم الجانحين والمجرمين)). في
أكتوبر 1994 تم إطلاق سراحه حاملا معه رسالة من المتطرفين بأنهم ليسوا
قتلة وكل ما يريدونه قيام الجمهورية الإسلامية ويطالبون سكان القبائل الكف
عن الوقوف في وجههم. بدأت
الأصوات تتعالى معبرة عن فرحتها لإطلاق سراحه وانتشر الخبر في كل الجزائر
ودول الشمال الإفريقي (تيموزغا) وفي القبائل بشكل خاص، أفرجوا عنه لأنهم
كانوا مضطرين وخائفين من انتفاضة الجماهير الشعبية يقول المعطوب ((اليوم
أشعر بمسؤوليات خاصة إزاءهم أدين لهم بحياتي واسمي وشعبيتي، لا يحق بي أن
أخيب ظنهم بي ولن اخدعهم ستكون أغنياتي ومعركتي أشد قوة وأصلب عودا عما كانوا عليه فيما مضي)). هل
أنا متغير اليوم ؟ سؤال طرح عليه بعد خروجه من ذلك الجحيم، تغير سلوكه
وصار عصبيا، متقلب المزاج، يعيش حالات من القلق، عاش حالة من الكوابيس
المزعجة، ويبقى أفضل علاج عنده كتابه (المــــتمرد) وأعماله الموسيقية
التي تعبر عن أحاسيسه ومعاناته وهويته. كان
الموت الشعور الحاضر والغائب في نفس الوقت ومعركته أكيدة أنه تحت نار حكم
موقوف التنفيذ، عادت إلى ذاكرته لحظات الماضي بآمالها وآلامها يقول معطوب
في ختام سيرته الذاتية المتمرد ((أريد أن أعيش وأغنى بكامل الحرية،
الجزائر الإسلامية لن يكون لها وجود إذا اقتضى الحال أن أهب حياتي في هذا
الكفاح فلن أتردد في ذلك، عجزوا عن كسر شوكتي طيلة 15 يوما)). من
الاعتقال والآن سؤكد لهم، بل وسؤكد لهم أننا أقوى منهم، لا أحد بمقدوره
الوقوف في وجهنا، معركتنا عادلة ونبيلة، أقسم بذلك نفد أذن الحكم الذي كان
موقوف التنفيذ في السابق من طرف الأيادي القذرة، أيادي التطرف والعنصرية،
ذهب ضحية النظام القمعي رحل وذكرياته بقيت راسخة في أذهان عشاق الحرية،
ناضل من أجل قضيه عادلة وعليها أستشهد. معطوب لونيس يوغرتن العصر








السبت, 28 مارس, 2009
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية







