تمهيد:- “أجيد لعبة السكين مثلما أعرف اختيار الردف لكنني لا أعرف التقاء الطعنة التي تصيبني في الخلف” سعيد المحروق. نعم،
لقد كانت طعنة في الخلف، لمّا لم يجرؤ على مقارعة حجته بالحجة، طعنوه كما
هي عادة الأخساء، طعنوه لأنهم أرادوا أن يسكتوه، طعنوه لما أرادوا إخماد
القضية، طعنوه بحادث سيارة في يوم 21 من شهر فبراير سنة 1979. “لم يمت لكن قلبه ملّ من نبضه فاسترخى ونام فمه أضرب عن إصدار أصوات الكلام، لم يمت من يدري يوما ما يحيّينا ويهدينا السلام…” سعيد المحروق. سعيد المحروق:- في
هذه الحلقة سوف نتحدث عن سعيد السيفاو، سيفاو لمن لا يدرك منكم معنى هذا
الاسم في الأمازيغية هو المنير، المضيء أو الشعلة، لقد كان ولا يزال
سعيدنا مشعلا ومنارة للحركة الثقافية الأمازيغية في ليبيا. “لم
يمت من يدري يوما ما يحيّينا ويهدينا السلام، ربما يرقصنا إيقاع نبضه ذات
يوم ربما يتحد البعض الذي فيه ببعضه ثم يأتينا ضجيجا وغناء وهيام” سعيد
المحروق. المغدور
به الأديب المجدد للأمايغية عهدا، سعيد السيفاو المحروق، أو أدّا السيفاو،
كما يسميه شباب الحركة الثقافية الأمازيغية بليبيا، ظنوا أنهم بغدرهم سوف
يسكتوا سعيدنا عن الكلام ولم يعلموا وإن استغرق جسده في النوم إلا أن روحه
وكلماته لم تغب عنا بل زادت إضاءةً وإشعاعاً. استمر
سيفاو في النضال، يقترف جريمة التفكير من أجل ليبيانا حتى سرقت المنية
الجسد وبقت روحه فينا جزءا لا يتجزأ من مسيرة النضال الأمازيغي، من أجل
التحرر وإقرار الديمقراطية الحقة، في برنا وبحرنا اللبيب. موحمد
ؤمادي (الحقيقة لما جاء موعد كتابة هذا الشريط الوثائقي، لم أعرف من أي
طرف أو أي جزء من حياة هذا المناضل الفذ سعيد السيفاو المحروق ابتدئ، هل
أتحدث عن سعيد السيفاو الشاعر؟ هل أتحدث عن سعيد السيفاو المناضل؟ هل
اتحدث عن سعيد الأديب الكاتب المؤرخ النحوي اللغوي؟؟؟ الحقيقة هو أنه كانت
هناك جوانب كثيرة من سعيد السيفاو والتي يمكن أن تتحدث عنها، وهذا سوف
يحتاج إلى ساعات وساعات من الأشرطة الوثائقية إلا أنني قررت أن أسهب بشيء،
بالتعريف أو تسليط الضوء عن جزء من حياة هذا المناضل وبذلك أستطيع أن
أتحدث عن كل هذه الشخصيات لسعيد السيفاو المحروق في ظرف نصف ساعة مع العلم
أن هذا لن يعطي سعيدنا حقه إلا أنني آثرت أن آخذ جذوة من سيفاو وأتقدم بها
للجيل الصاعد من أمازيغ ليبيا ومتحدثي العربية فيها، لكي يعرفوا من هو
سعيد السيفاو المحروق). ولد
سعيد السيفاو في مدينة جادو من أعمال جبل نفوسة في 18 من شهر أبريل سنة
1946، هاجر وأسرته إلى طرابلس في سن مبكرة، حيث درس فيها من المرحلة
الابتدائية إلى الثانوية ومن بعد تفوقه في الشهادة الثانوية سافر إلى
القاهرة لمتابعة دراسته الجامعية في كلية الطب، لكن رفضه الخضوع للإغراءات
والمساومات مع النظام القائم آنذاك، جعله يتعرض لمضايقات متعددة قبل أن
تقرر الإدارة التعليمية قطع منحته الدراسية، ليضطر معها للعودة إلى طرابلس
والتسجيل بكلية الحقوق وذلك سنة 1967؛ يرى الأستاذ فاضل المسعودي أن تغيّر
توجه سعيد السيفاو من الطب إلى القانون ناتج عن تطور وعيه الاجتماعي
والسياسي ورغبته في العمل من أجل القضايا العامة وهذا هو سبب عدوله عن
دراسة الطب والتوجه إلى الحقوق والدراسات الإنسانية. موحمد
ؤمادي (في الحقيقة أريد أن أرد انتباه الإخوة المستمعين إلى أنّ الفترة
التي خرج فيها سعيد السيفاو المحروق، كان فيها المدّ العروبي يسير بخطى أو
بشكل جنوني للغاية، لم تكن فترة هينة البتة، كانت فترة يسهل فيها للمثقف
أن يسير مع التيار السائر وهو التيار القومي العروبي المتشنج ولكن سعيد
السيفاو آثر أن يكون في صف الثقافة الوطنية الأمازيغية، وآثر كذلك أن يصبح
ضد التيار الشرقي العروبي المتعصب). عاد
سعيد السيفاو المحروق إلى بلده لينحاز إلى صفوف التقدميين وليجرد قلمه
الموهوب من خلال الصحف المستقلة دفاعا عن التقدم والتنوير وأصبح سعيد
السيفاو بالتالي واحدا من أبرز كتاب جريدة الميدان وبعد الأول من شتنبر
_سبتمبر_ 1969، وظهور الموجة المتشنجة في الدعوة للقومية العربية والتعريب
بموجب السلطة وإلغاء الاعتراف بحقائق الواقع التاريخي للأمة الليبية، وبدأ
ممارسات الاضطهاد ضد الأمازيغ في ليبيا ومحاولة طمس الهوية الوطنية في
ليبيا، أصبحت القضية الأمازيغية والدفاع عن حقوق الإنسان في ليبيا قضية
رهينة وعاجلة وشريفة، سرعان ما اتخذ سعيد السيفاو موقفه إلى جانبها، كان
موقفا على كل المستويات واضحا وعلميا وشجاعا. موحمد
ؤمادي (الحقيقة ما يميز سعيد السيفاو المحروق أنه مناضل من النوع الرفيع،
حيث أنه لم يكن مناضلا متسيسا فحسب ويهمل الجانب الثقافي ولم يكن مثقفا
فحسب يعيش بين الكتب وفي أدراج المكتبات بعيدا عن واقع الناس وعن السياسة
التي في عصره كانت تحوك من وراء الكواليس الكثير من المؤامرات، تارة باسم
الإسلام وتارة باسم العروبة و..و..و). سعيد
السيفاو، هذا الشاعر الذي ترك كما هائلا من النصوص الشعرية والأدبية التي
يتغنى بها شباب أدرار نفوسة وزوارة بل في كل أرجاء ليبيا. منذ
استقراره بطرابلس وضع نصب عينيه مهمة البحث عن التاريخ المنسي لبلده
ولثقافته وتكونت لديه رغبة قوية في معرفة كل الزوايا المظلمة للذات
الليبية التي لم تساعدها السنوات الأولى للاستقلال من تأسيس مدرسة تاريخية
مستقلة عن الأيديولوجية القومية السائدة بالمشرق، لقد حكا في آخر حياته أن
قراءاته لكتاب الشيخ الطاهر الزاوي حول الفتح العربي لليبيا أثرت كثيرا في
توجهاته واهتماماته بموضوع التاريخ والبحث عن الحقائق المنسية وأوشام
الذاكرة وسبر أغوار الذات الثقافية. موحمد
ؤمادي (يبدوا أن النبوغ السعيدي بدأ منذ نعومة أظافره، حيث نرى سعيد يصدر
جريدة حائطية باسم جرمة، الحقيقة لا يخفى على الكثيرين أن اسم جرمة يحمل
في طياته الكثير، اسم الحضارة الأمازيغية الليبية في جنوب ليبيا، فشاب في
مقتبي العمر يصدر الجريدة الحائطية باسم حضارة وطنية أصيلة، أظن أن هذا
ينمي عن وعي كبير جدا في الثقافة الوطنية). وثّق
أدّا السيفاو العشرات من القصص والأساطير الليبية القديمة بالأمازيغية
وحاول نشرها ولم يقبلها أحد للنشر فترجم البعض منها إلى الدارجة الليبية
حتى يتم نشرها وهذا ما تم بالفعل، فكانت مجموعة أصوات منتصف الليل، نراه
يقول في مقدمة أحد مقالاته بعنوان أساطير “يبدوا أن الشعب الليبي لم يجد
الوقت لكي يكتب أساطيره هذه بالحبر أو بأي مداد آخر فكتبها بشفاهه على
الهواء أو على رمل الصحراء، وما من ريب أن الرياح
اكتسحت ذاكرته أكثر من مرة، وذهبت بالكثير من حكاياته، شعره، مفرداته
وإيقاعاته… أي بكتاباته الشفوية”. حبّ سعيد لتراثنا ومورثنا الليبي لم
يعرف حدودا فكتب في القصة، نقل لنا الأسطورة، حفظنا الشعر، نسخ المثل
الشعبي، وعبر عنها جميعها بكلمات رقيقة وبشاعرية منقطعة النظير. موحمد
ؤمادي (كان شغف سعيد باللغة والثقافة الأمازيغية أكبر مما يتصور، فأهم
ابداعاته في اللغة الأمازيغية أو في اللغويات هو وضعه لكتاب لأساسيات كتاب
_تاجرومت نـ تمازيغت_، هذا الكتاب والذي أخرجناه في مؤسسة تاوالت
الثقافية، عمل سعيد السيفاو مع جمع من اللغويين الجزائريين على وضع قاموس
ليبي موحد، ولكن المنية باغتته قبل أن يتم عمله واختفى مجهوده الذي قدمه
في خضم الأحداث التي عصفت به). الأستاذ
فاضل المسعودي أحد رفاق سعيدنا المقربين (سعيد قبل ما يتوفاه الله بسبب
الحادث، كان يجينا في الجزائر العاصمة كان عنده قاموس إخلي فيه عندنا
ويمشي لليبيا، وبعدين إجي اوصل معاهم، قاموس الأمازيغية مشترك فيه هو
والجزائريين وبعدين ما نعرفش شن صار في هذاك القاموس، يا خسارة مع أنه
شفته عمل ضخم ومحترم). يعتبر
سعيد مبدع الشعر الأمازيغي الحداثي في ليبيا ومن السابقين الأوائل لهذا
النوع من الشعر مع الرواد الأمازيغ أمثال علي صدقي أزايكو. علي
شوهاد شاعر مغربي (هناك موسيقات الشعر وهناك شاعرية الموسيقى، هناك شعراء
مقتدرون يعني شعراء يكتبون هذا النوع من الشعر، كما في المغرب هناك
الأستاذ علي أزايكو، وهناك في ليبيا مثلا سعيد السيفاو، وهناك في الجزائر
أسماء أخرى تكتب الشعر الحر وهناك في العالم الأمازيغي أسماء مقتدرة تكتب
الشعر الحر). إلى جانب مواهبه الشعرية وبراعته النحوية، خلّف لنا سعيد السيفاو كمّا هائلا من الكتابات والتي نتمنى أن نضمها يوما بين دفتي كتاب. - ديوان سقوط أل التعريف. - ديوان أشعار كاتمة للصوت. - عن الاستلاب اللغوي. - الثقافة العربية إلى أين؟. - استيراد ما لا يستورد. - مفاهيم غير مفهومة. - دليل المواطن الذكي إلى الفكر العلمي. - ثورة الأغليد ماسينيسا. - سليمان الباروني الرجل الذي صنع أخصب فترات تاريخنا الحديث. - الأساطير الطائفية. - كاريكاتيرية الثقافة الليبية. - لكي لا تصبح العروبة احتكارا مشرقيا أو شعوبية جديدة. - اللحظة الحجرية. - الشعر بين الحديث والقديم. - لفهم العلاقة بين الدين والنضال في تاريخ ليبيا. - الإيقاعات. - العودة من ملكوت الصمت. - هشيم الأصوات الليلية. - بحثا عن الصوت المنفرد. - الخلخلة. هذا فيض من غيض من الدواوين والمقلات والبحوث والدراسات التي خلّفها لنا سعيد السيفاو. موحمد
ؤمادي (على الرغم من المدة القصيرة التي قضاها معنا سعيد السيفاو، إلا
أنها مدة حقيقة حافلة، يستغرب الإنسان لو رأى العمر الذي عاشه سعيد معنا
والأشياء التي أنجزها، لو إنسان لا يعرف سعيد حقّ المعرفة فسوف يستغرب
يعني في مدة وجيزة أنجز الكثير الكثير جدا من الإبداعات ودراسات علمية
رصينة جدا، متى وجد الوقت لذلك!!). لو
يدقق كل فطن لبيب في القائمة التي تشملها مقالات سعيد السيفاو، سوف يكتشف
أن للحكومات المتعاقبة على ليبيانا أسباب في التآمر على سعيدنا، فكتاباته
تهدّم النظرية العروبية من أساسها وتحطم البنيان الواهي على علوه، ولدى
وكما هي عادة الجبناء غدروا به. أحبكت
مسرحية الغدر به بعناية فائقة، قائد سيارة تونسي يختفي في نهاية المسرحية
يدعس بسيارته المارة بسرعة شديدة على سعيدنا، وهو في طريقه للصيدلية
ليشتري دواء لطفله وهو مترجل من سيارته في اتجاه الصيدلية، داهمته وهي
تريد بالتأكيد الإجهاز عليه، ولكنها لم تنجح سوى في الإبقاء عليه محطما
قعيدا عاجزا عن الحركة، ولكنه لم يكن عاجزا عن التفكير والكلام والكتابة،
حتى تمكنت آثار الحادث المجرم من إنهاء حياته في النهاية، ليعيش حياته
الثانية الأبدية كرمز خالد من رموز النضال الوطني والديمقراطية وحقوق
الإنسان. يشيد
بسعيد المحروق الكثيرون من أبناء تامزغا، ففي الجزائر تقام دورة سنوية
أدبية، وتقدم جوائز باسم سعيد السيفاو، وفي المغرب كذلك ومؤخرا خصّص
المؤتمر الليبي للأمازيغية جوائز أدبية تخليدا لذكرى سعيد السيفاو، ترجمة
كتاباته تباع على نطاق واسع؛ قامت مؤسسات أمازيغية باسمه كمؤسسة سيفاو في
تولوز بفرنسا، تغنى مغنون أمازيغ بأشعاره كفرحات مهنى وموحا ملال وغيرهم. في
إحدى مصحات مدينة صفاقس التونسية والتي توجه إليها بعد أن لاقى من الإهمال
المتعمد في مصحات طرابلس ما يند له جبين التاريخ اتجاه أبنائه توجه إلى
مصحات الخارج، متكلفا جهدا ومادة من قوته وقوت أولاده الصغار الضعفاء،
وبعد محاولات علاجية أتت في وقتها الضائع أسلم الروح هناك في 27 من شهر7
سنة 1994. “لم يمت لكن قلبه ملّ من نبضه فاسترخى ونام فمه أضرب عن إصدار أصوات الكلام، لم يمت من يدري يوما ما يحيّينا ويهدينا السلام لم
يمت من يدري يوما ما يحيّينا ويهدينا السلام، ربما يرقصنا إيقاع نبضه ذات
يوم ربما يتحد البعض الذي فيه ببعضه ثم يأتينا ضجيجا وغناء وهيام” سعيد
المحروق. كان ذلك/ سعيد السيفاو المحروق. من إعداد/ موحمد ؤمادي. قراءة النص/ حسن بو فوس. إنتاج/ مؤسسة تاوالت الثقافية بالتعاون مع شركة فوزي فيزيون. إلى توزين يوغرطا وآنيا، نقدم هذا العمل المتواضع وهو أقل عمل تستطيع مؤسسة تاوالت لأسرة رجل أعطى الكثير لنا وللأجيال من بعدنا. …………………………………………. ملاحظة:
تنوه إدارة مدوّنة تامزغا للتراث والثقافة أن هذه المادة عبارة عن شريط
وثائقي لمؤسسة تاوالت الثقافية، ولعموم الفائدة رأينا أن نقوم بنسخها
كتابيا. كما
يمكنكم الاستماع لهذا الشريط الوثائقي وغيره من الأشرطة الوثائقية،
بالرجوع إلى الرابط الموجود على يمين صفحة المدوّنة أو على هذا الرابط: www.tawalt.com/Documentry_library_display_2.cfm مع تحيات/ إدارة مدوّنة تامزغا للتراث والثقافة
السبت, 28 مارس, 2009
إعداد/ مؤسسة تاوالت الثقافية بالتعاون مع فوزي فيزيون
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية







